صديق الحسيني القنوجي البخاري

90

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَلكِنْ لم يسلكوا ذلك المسلك الحسن ، ولم يأتوا بما هو خير لهم وأقوم ، بل استمروا على كفرهم ولهذا لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أي خذلهم وأبعدهم بسبب كفرهم فَلا يُؤْمِنُونَ بعد ذلك إِلَّا إيمانا قَلِيلًا وهو الإيمان ببعض الكتب دون بعض ، وببعض الرسل دون بعض ، وقيل هو اعترافهم بأن اللّه خلقهم ورزقهم وقيل إلا نفر قليل كعبد اللّه بن سلام ، وعبّر الزمخشري وابن عطية عن هذا القليل بالعدم يعني أنهم لا يؤمنون البتة . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 47 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ( 47 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ الخطاب لليهود ، ولم يقل هنا أوتوا نصيبا من الكتاب لأن المقصود فيما سبق بيان خطئهم في التحريف ، وهو إنما وقع في بعض التوراة والمقصود هنا بيان خطئهم في عدم إيمانهم بالقرآن وهو مصدّق لجميع التوراة فناسب التعبير هنا بإيتائهم الكتاب آمِنُوا بِما نَزَّلْنا يعني القرآن مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ يعني التوراة ومعنى تصديقه إياها نزوله حسبما نعت لهم فيها أو كونه موافقا لها في القصص والمواعيد والدعوة إلى التوحيد والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش . وأما ما يتراءى من مخالفته لها في جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأمم والأعصار فليس بمخالفته في الحقيقة ، بل هو عين الموافقة من حيث إن كلا منهما حق بالإضافة إلى عصره ، متضمن للحكمة التي عليها يدور فلك التشريع حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتأخر ، ولو تقدم نزول المتأخر لوافق المتقدم ، ولذلك قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي » . ثم قرن بهذا الأمر الوعيد الشديد الوارد على أبلغ وجه وأكده فقال مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً أصل الطمس استئصال أثر الشيء بالمحو وإزالة الأعلام ، ومنه فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ [ المرسلات : 8 ] يقال طمس الأثر أي محاه كله ومنه رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ [ يونس : 88 ] أي أهلكها ، ويقال مطموس البصر ومنه وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ [ يس : 66 ] أي أعميناهم . واختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية هل هو حقيقة فيجعل الوجه كالقفا فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين وهو محو تخطيط صور الوجوه ، قال ابن عباس يجعلها كخف البعير ، وقيل نعميها فيكون المراد بالوجه العين ، أو ذلك عبارة عن الضلالة في قلوبهم وسلبهم التوفيق ، فذهب إلى الأول طائفة ، وإلى الآخر آخرون ، وفي تنكير الوجوه المفيد للتكثير تهويل للخطب ، وفي إبهامها لطف بالمخاطبين وحسن استدعاء لهم إلى الإيمان .